فخر الدين الرازي
379
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ وهذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب . فإن قيل : هذا لا زم عليكم لأن أبا بكر رضي اللَّه عنه كان موجودا في ذلك الوقت . قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال ، والثاني : أن معنى الآية أن اللَّه تعالى قال : فسوف يأتي اللَّه بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وإن كان موجودا في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلا في ذلك الوقت / بالحراب والأمر والنهي ، فزال السؤال ، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن أيضا أن يكون المراد هو علي عليه السلام ، لأن عليا لم يتفق له قتال مع أهل الردة ، فكيف تحمل هذه الآية عليه . فإن قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا . قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول : أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركا للشرائع الإسلامية ، والقوم الذين نازعوا عليا ما كانوا كذلك في الظاهر ، وما كان أحد يقول : إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام ، وعلي عليه السلام لم يسمهم البتة بالمرتدين ، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم اللَّه بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضا . الثاني : أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين ، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي اللَّه بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح ، ولما لم يوجد ذلك البتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة ، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي ، لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين ، ولا يمكن أيضا أن يقال : إنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس ، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين ، وبتقدير أن يقال : اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعا وأذنابا ، وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر ، ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلا في هذه العبادة ورئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر . والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر : هو أنا نقول : هب أن عليا كان قد حارب المرتدين ، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالا وأكثر موقعا في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة ، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى اللَّه عليه وسلم لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا ، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة ، وهو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين ، وهو الذي حارب مانعي الزكاة ، ولما فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته . أما لما انتهي الأمر إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط في الشرق والغرب ، وصار ملوك الدنيا مقهورين ، وصار الإسلام مستوليا على جميع الأديان والملل ، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي اللَّه عنه أعظم تأثيرا في نصرة الإسلام وتقويته من محاربة علي عليه السلام ، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الإسلام ، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية . المقام الثالث في هذه الآية : وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ، وذلك لأنه لما ثبت